شارك

غذاء الذاكرة


في مقال هذا الأسبوع، تستعيد الكاتبة القطرية شيماء السلطان أجواء صباحات الجمعة وما يليها من أجواء عائلية على خلفية ما لذ وطاب من مأكولات في الإفطار وعلى مائدة الغذاء. وتمتد رحلة الذاكرة إلى أجواء رمضان وسطوة الأكلات الشعبية قبل أن تصل إلى حاضر الدوحة وما يؤثثه من مطاعم ومقاه فرضتها تحولات الحياة وإيقاعات العولمة المتسارعة.

شيماء سلطان

يوم الجمعة الساعة 8:00 صباحًا، على كورنيش الدوحة موعدنا الأسبوعي للخروج مع والدي صباحًا لتناول وجبة الإفطار. نفرش سجادة وسطها سماط شفاف تتخلله خطوط حمراء تقليدية. وبهمة يقف كل منا على أحد أطرافه حتى لا يطيره الريح. ننتظر أن تمتد أيادي أبي وأمي إلى الأكياس البلاستيكية التي تحتوي على الخبز الطازج والكبدة اللذيذة التي أتينا بها للتو من مطعم (ريكس) والحمص والمسبحة التي جلبناها من مطعم بيروت. يوظبان الطعام ويوزعانه مع الأطباق الصغيرة أمامنا. يأخذ والدي الخبز ويقسم بيننا بينما تسكب لنا أمي لنا الشاي بالحليب في أكواب الجبنة الزجاجية التي نستخدمها الآن للشرب. نأكل ونلعب ونعود إلى البيت، لنكمل يوم الجمعة في بيت الجدة. كانت تلك الصباحات من الصباحات المفضلة، حيث يمر الوقت على إيقاع القصص والحكايات التي يسردها والديّ علينا.

تابعوا شيماء على الانستغرام

شيماج


“تناول المأكولات البحرية خلال عطلة نهاية الأسبوع ممارسة شائعة في الأسر القطرية”


الجمعة المأكولات البحرية

ولأن يوم الجمعة من الأيام التي غالبًا ما تلتقي فيها الأسرة الممتدة على الغداء، فقد كنا نذهب جميعًا إلى بيت جدتي، حيث تنتظرنا أشهى المأكولات البحرية وهي ما جرت عليه عادة يوم الجمعة في أغلب البيوت القطرية. تنوع جدتي لنا في الأطباق كل جمعة. في جمعة، تضع لنا صوانٍ من القبابقب والربيان وأم الربيان، فنتحلق حولها ونتناول كل قطعة باستطعام تام. وفي جمعة أخرى، تطبخ لنا (مجبوس الهامور باللوبا)، نتناوله مع رشات الليمون والجرجير. ويفضله خوالي بسلطة الطماطم والبصل. ثم في جمعة أخرى تطبخ لنا رزًا أبيضًا مرشوشًا بالدهن العداني مع سمك الصافي أو الكنعد المقرمش وتدفن بداخل الرز حبات الطماطم التي نتقاتل جميعًا للحصول عليها. حيث تكون ساخنة بعصارة كثيفة تلين الأرز. ولا عجب لو آوينا في قيلولة طويلة بعد هذه الوجبة الدسمة.

أجواء رمضان

في كل رمضان لا يعلى على الأطباق المنزلية والموائد الممتدة، وتتجلى روعة أجواء رمضان في الدقائق التي تفصلنا عن موعد آذان صلاة المغرب حيث تنتقل الأطباق من منزل إلى آخر، ومعها ينتقل إبداع كل بيت إلى بيوت الجوار. في هذه الأجواء تعتلي المأكولات الشعبية عرش المائدة بلا منازع: الهريس والمضروبة والثريد. والحلويات مثل اللقيمات والفالودة والساقو والخنفروش والطبق المفضل الذي لا يجيد أحد صنعه مثل جدتي (محلبية العيش) بمكوناتها البسيطة: العيش المجروش والحليب وماء الورد ثم لمستها الذي تضفي على الأكل نكهة خاصة.

سمك لطيف


هريس
: قمح مخفوق مع اللحم والتوابل

ثريد

: قطع خبز في مرق خضار أو لحم

مضروبة

: أرز مخفوق ودجاج وتوا

أتذكر جيدًا المساءات التي كنا نخرج فيها مع والدي، نقف في الساحة الخالية المقابلة لمركز العالم الجديد حيث يقطع مطعم صغير، يقدم وجبة واحدة وهي السمك، لا أذكر اسمه ولكنه كان معروفًا بـ”سمك لطيف”. كان يقدم نوعًا واحدًا من السمك تغطيه طبقة مقرمشة حمراء، مع صلصة حمراء أيضًا مميزة والخبز. كانت الساحة تمتلأ بالسيارات التي تنتظر طلباتها من السمك اللذيذ. بقي لطيف يقدم سمكه المميز حتى أواخر عمره دون أن يورث خلطته السرية لأحد إلى أن وتوفي ودفن سره معه.

كانت الدوحة بخياراتها القليلة في المطاعم تمتلك قدرة على الصمود في الذاكرة وترك بصمتها فيها. فمطعم “بسم الله” كان وما يزال حاضرًا في الذاكرة ومكانه في سوق واقف. ومطعم شيزان. ثم في أوقات لاحقة ظهر فندق الواحة ثم مطعم البستان الذي ما يزال موجودًا ويقدم طعامه بذات الجودة. ثم جاءت موجة المطعام العالمية، بيزاهت، ستيرلنج، باندروزا ونجمة الهند وغيرها من المطاعم التي انتشرت.

مشهد طعام مزدهر

الآن يبدو مشهد المطاعم والمقاهي مختلفا في الدوحة، بعد تطور البنية التحتية والانفتاح والتطور الذي مس معالم الحياة المختلفة، تبدلت ثقافة الطعام، وأصبحت أكثر تنوعًا وأكثر إغراء من السابق حيث كانت الخيارات محدودة، حتى أن الشخص ليحتار أين يذهب لتناول وجبة ما. من المطاعم العالمية برئاسة الكثير من الطهاة العالميين حتى المطاعم التي يديرها شباب قطريون، اطلع على مطاعم متنوعة في الخارج وحاول محاكاتها هنا في الدوحة. إلا أن المطاعم الشعبية التي تقدم الأكل القطري الأصيل، ما زالت أيضًا محط اهتمام، فهناك مطعم لوزار الذي يقدم الأطعمة البحرية القطرية والعالمية بواجهة بحرية مذهلة في كتارا يشكل عامل جذب للكثيرين. والمطابخ الشعبية مثل مطبخ النعمة والجازي ما زالوا في مقدمة المطابخ الشعبية التي يحتفي بها الناس في خصوصًا في المناسبات، من الأعياد حتى المناسبات الصغيرة مثل الترقيات في العمل أو التخرج.

مؤخرًا باتت مقاهي القهوة المختصة شائعة وكثيرة وتتنافس فيما بينها في تقدم وجبات الإفطار المتأخر (البرنش) أو الفطور طوال اليوم الذي أصبح رائجا خصوصًا مع ساعات العمل الطويلة. ثم تحولت الوجبات التي يتناولها الأفراد خارج المنزل وسهلة الوصول من خلال تطبيقات الهاتف الجوال. ومع هذا التنوع يصمد يوم الجمعة بجمعات الأهل وبطبخ الأمهات الذي لا يضاهيه شيء. هناك حنين للطعام الأول دائما، وهناك دائما متسع للأحاديث حول مائدة الطعام. فالطعام يخلق ذاكرة جمعية يشترك فيها الناس ويتبادلونها.


الغلاف: Diamond Dogs / Getty Images

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا