شارك

رحلة بين مساجد موسكو.. تاريخ وفن وعمارة

روسيا بلد متعدد القوميات والأديان، ولديها تجربة غنية في التعايش بين مختلف الأديان لآلاف السنين وينعكس هذا في حياة المجتمع. عاش المسلمون في روسيا في سلام ووئام واحترام متبادل مع القوميات الأخرى، واليوم يُعدُ الإسلام الديانة الأكبر بعد المسيحية الأرثوذكسية. يصل عدد المسلمين في موسكو إلى حوالي 3 مليون نسمة، ويوجد بموسكو 4 مساجد، اثنان يرجع تاريخهما لزمن بعيد هما المسجد التاريخي أو المسجد الأول، والمسجد الكبير، واثنان تم افتتاحهما في القرن العشرين هما مسجد يارديم والمسجد التذكاري. ولكل مسجد قصة مختلف.

1. المسجد التاريخي أو المسجد الأول

يُعد المسجد التاريخى أول وأقدم المساجد التي بُنيت في موسكو، يقع في زاموسكفوريتشي، أحد أقدم أحياء موسكو، الذي عاش فيه التتار ومترجمو الأمراء والتجار ما بين القرنين 13-15، ولا يُعرف بالضبط متى تم بناؤه، لكن من المعروف فقط أنه منذ بداية القرن 17 سعى المسلمون في موسكو للحصول على تصريح لبناء مسجد. بني المسجد من الخشب، في منزل الأمير “سولاميت مورزا سيميني” مترجم هيئة الشؤون الخارجية، وفي سبعينات القرن 18 وبعد وفاة الأمير قام الوريث ببيع المنزل للتاجر شوكين، وبمرور الزمن بات عتيقا وأزيل.

في عام 1832، تم الحصول على ترخيص ببناء مسجد، فشيد على قطعة أرض لتاجر من رابطة التجار الأولى، هو نزارباي خامالوف، وكان عبارة مبنى من طابق واحد مع ما يشبه المئذنة فوق المدخل.

في عام 1882 ونتيجة لبطولة الجنود المسلمين في الحرب ضد نابليون، اكتسب المسجد وضعا قانونيًا وتم إكمال المئذنة والقبة، كما تنفيذ مشروع إعادة الإعمار من قبل المهندس المعماري ديمتري بيفنيتسكي، وأصبح يتسع لـ 1500 مصلٍّ بدلاً من 300 .

وحتى عام 1904، كان يُطلق على المسجد إسم كاتدرائية، ثم تغير إسمه وأطلق عليه المسجد التاريخي، عندما تم بناء المسجد الثانى )المسجد الكبير في موسكو . (

وبعد ثورة 1917 اتبعت الدولة سياسة جديدة فأغلقت وهدمت الكنائس وبالطبع أغلق باب المسجد التاريخى وفى عام 1937 تحول إلى أحد مقرات الدفاع المدني في موسكو.

بعد تفكك الإتحاد السوفيتى وبقرار من مجلس مدينة موسكو عام 1990 فتحت أبواب المسجد، وتمت إعادة ترميم للمسجد على نفقة المملكة العربية السعودية بالإضافة إلى أموال التبرعات، ورفع منه الآذان وعاد للحياة مرة أخرى عام 1993

2. المسجد الكبير أو مسجد موسكو الكبير

بدأ تاريخ المسجد الكبير في عام 1902 عندما قدم التاجران باقيروف وعقبولاتوف طلبا لمنحهما قطعة أرض لبناء مسجد ثانِ في موسكو، نظرًا للزيادة الملحوظة حينها فى عدد المسلمين، وتكفل التاجر المسلم صالح يوسوبوفيتش بكامل التمويل، ووضع تصميم المسجد المهندس “نيقولاي جوكوف” بالأسلوب البيزنطي، مع صالات تسع لـ 200 مصلٍّ، وفي عام 1904 إفتتح المسجد.

عام 1937 أغلقت أبواب المساجد كما أغلقت وهدمت بعض الكنائس أيضاًمن قبل السلطات السوفيتية، إلا مسجد موسكو الكبير فقد ظل مفتوحاً، حيث قررت السلطات وقتها الإبقاء على المسجد لتخفيف حدة التوتر، وتفادي مواجهة مع المواطنين المسلمين، وأصبح رمزاً للسياسة المتسامحة للحكومة السوفيتية ففي أوائل القرن العشرين قام بزيارته العديد من زعماء الدول الإسلامية والعربية الذين زاروا موسكو وعلى رأسهم الرئيس جمال عبد الناصر، ورئيس إندونيسيا أحمد سوكارنو، والقذافى.

عام2010 تصدع المبنى القديم نتيجة مرور أفرع نهر (نيجلينكي) تحت أرض المسجد، وتم اتخاذ القرار بإزالته، وتشييد مبنى جديد أحدث وأكبر، كان الراعي الرئيسي عضو مجلس الإتحاد الروسي السيد سليمان كريموف، بالإضافة إلى أموال التبرعات، ووصلت تكلفة المسجد حوالي 170 مليون دولار، وأعيد افتتاح المسجد الكبير في عام 2015 بحضور الرئيس بوتين والعديد من الشخصيات الاسلامية والعربية

استوحى المصممون شكل القبة الحالي للمسجد الكبير من شكل قباب موسكو الذهبية، وتم تزينها بآيات من القرآن الكريم، طُليت ب12كجم من الذهب، وجمع الشكل الخارجى للمسجد بين تقاليد العمارة الإسلامية وبعض ملامح العمارة الروسية، لذا فإن المآذن تشبه بعض أبراج الكرملين.

ويتكون من 6 طوابق، ويتسع لعشرة آلاف مصلٍّ فى وقت واحد، بالإضافة إلى وجود 4 مصاعد فى داخله، تزينه ثريا من الكريستال تتدلى من قبة المسجد الرئيسية، ويصل ارتفاعها إلى 7.6 م، تزن 2 طن، يضيئها 350 مصباحا عملاقا، ويوجد بجوار المسجد الكبير المقر الرئيسي لدارالإفتاء للقسم الأوروبي في روسيا، وفيه يقع مكتب المفتي الروسى.

3. مسجد يارديم أو المسجد ذو المنارتين:

افتتح عام 1997 في “حى أوترادنوي” في شمال شرق موسكو، موقعه مثير للإهتمام، فبجواره كنيسة كنيسة أرثوذكسية، ومعبد يهودي، وأيضا مسجد “إنام” للمسلمين الشيعة، الذي شيد عام 1999 بمبادرة السيد عياض مطالبوف، أول رئيس لأذربيجان بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، وكان تشييد المسجد هو البداية تمهيدا لبناء مجمع دينى ثقافى للديانات في روسيا، يسمى أحيانا “القدس الجديدة”.

تم بناء المسجد السني “ياردم” ومسجد الشيعة “إنام” بسقف مشترك على حساب المؤسسة الخيرية لتطوير التراث الروحي التتارى “هلال” يتسع لـ 1200 مصلٍّ، هندستة المعمارية تشبه طراز مباني آسيا الوسطى وإيران. تم بناء المجمع بمبادرة ومشروع مالك شركة البناء المعمارى رشيد بيازيدوف في 1997-2000

4. المسجد التذكاري في “تل الركوع”

في عام 1997 افتتح المسجد التذكاري داخل حديقة النصر، وهو مكان له قدسيته الخاصة عند الروس، وبالتحديد على تل يسمى “بوكلونايا جورا” أو تل الركوع، وتعتبر هذه الحديقة واحدة من أكبر الحدائق العامة بموسكو، بها كنيسة أرثوذكسية ومعبد يهودى، ومتحف الحرب الوطنية العظمى، وهي التسمية التي يطلقها الروس على الحرب العالمية الثانية. تم افتتاح الكنيسة عام 1995 بمناسبة مرور 50 سنة على الحرب الوطنية العظمى، وانضم إليهم المسجد التذكاري ليكون نصبا تذكاريا للشهداء المسلمين الروس الذين شاركوا فى تلك الحرب، وليكون أكبر دليل على السلام والتعايش ما بين الأديان المختلفة على أرض روسيا.

المظهر الخارجي للمسجد به سمات مدارس معمارية مختلفة من الشرق الإسلامي، كالمدرسة التترية، والقوقازية. تم تخصيص الأموال من قبل الدولة وبلدية موسكو، مصمم المشروع هو المعماري إلياس تاجييف. ويمكن لكل مقيم أو زائر أو سائح مسلم أن يقوم بممارسة شعائر دينه بكل حرية من صلاة وصيام حيث تفتح أبواب الجوامع للصلاة بشكل يومى فى موسكو.


PHOTOS: Cover – VLADJ55/Shutterstock, 1,2 – MosHistorMosque/Facebook.com, 3 – M. Scherer/pastvu.com/12366, 4 – Elena Rostunova/Shutterstock, 5 – Ilyas Kalimullin/Shutterstock 6 – NickolayV/Shutterstock 7 – Julia Kopylova/Google photos, 8 – Galina Savina/Shutterstock, 9 – Moonheart.ru

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا