شارك

المناسبات المحببة

في هذا المقال، تسافر الكاتبة شيماء سلطان بالقارئ إلى أجواء الاحتفالات الدينية والوطنية في قطر وتستعيد روحها الأصيلة بما تحمله من بهجة في قلوب الصغار والكبار. إنها مشاعر راسخة في الوجدان، يحتفظ بها الأطفال في ذكرياتهم ليغرسوها في مستقبلهم تذكارًا للأيام الجميلة.

تابعوا شيماء على الانستغرام

SHAIMAJS

عندما كنا صغارًا كانت أمي تعلمنا الكتابة. تقول لنا: اكتبوا هذه العبارة في بداية كل موضوع إنشاء (كلمة صغيرة في مبناها، كبيرة في معناها). هكذا كانت المناسبات المختلفة: رمضان، العيد، العرس، اليوم الوطني، وكل المناسبات التي نحتفل بها كل عام دون ملل وبذات البهجة كل مرة.
يأتي رمضان كأول الغيث للمناسبات التي تليه. فقبل بدايته يترقب الناس قدومه بتجهيز الموائد للاجتماعات العائلية على الفطور. وفي ليلته قبل الفجر، يبدأ المسحر بقرع الدفوف لإيقاظ النائمين لتناول وجبة السحور.
وفيها يسعد الصائمون ليوم الصيام، ولمدة شهر كامل يشكل المسحر بهجة في الأفئدة سابقًا لأذان الفجر. ثم يمر اليوم بصيامه طال أم قصر ليكون تجربة تنمّي الداخل وتطهره. ثم يأتي العصر، ويبدأ الجيران في تبادل ما لذ وطاب من الأطباق. ثم قبيل المغرب يتحلق الناس حول السفرة الممدودة، التمرُ واللبن على رأسها، والتلفاز على “قناة قطر”، حيث يتجمهر الصائمون حول مدفع يدق في رمضان فقط، إيذانًا بموعد الإفطار. وتمد موائد إفطار الصائم في المناطق المختلفة حول البلاد، للصائمين الذين ليس لديهم أهلٌ يفطرون معهم وهي موائد مفتوحة للفقراء ولكل من أراد الاستمتاع بالروح الجماعية في رمضان الخير.

ثم يمر الوقت بعد صلاة المغرب سريعًا، ليحين وقت صلاة العشاء والتراويح، هنا تسكن الحياة لبرهة ثم تندفع بجنون نحو المهام التي يجب إنجازاها. يتمدد الليل، ويتغير إيقاع الحياة كله. يتجمع الأهل والأصدقاء لموعد (الغبقة) وهي تجمع يكون فيه عشاء متأخر يتناسب مع مواعيد رمضان. وتقدم فيه الكثير من المطاعم ما يسمى بالخيّم الرمضانية والتي تقدم برامجًا متنوعة مصاحبة للعشاء المتأخر. وهكذا تسهر الدوحة تحت سماءها الصافية لمدة خمسة عشر يومًا حتى ينتصف رمضان ليكون عيد الأطفال الصغير في مناسبة تسمى (القرنقعوه) وفيه يتجول الأطفال بالملابس التراثية بين البيوت للحصول على الحلويات والمكسرات. يغنون وهم يطرقون الأبواب المشرعة لهم أصلاً: (قرنقعوه قرقاعوه، عطونا الله يعطيكم، بيت مكة يوديكم..). في الأيام الأخيرة من الشهر الفضيل، يطول وقت مكوث الناس في المساجد، ويعتكف كثرٌ فيها. وتبدأ كذلك الاستعدادات لاحتفالات العيد.

يبدأ العيد صباحًا مع صلاة الفجر، ثم تبدأ الزيارات بين الأهل والأصدقاء. ويفرح الأطفال بتلقي (العيدية) من الكبار. وتكون تلك فرحتهم التي لا توصف. فيتنافسون بينهم على المبالغ التي حصلوا عليها. حينَ كنا صغارًا كانت العيدية تصرف في الدكان، حيث يتسنى لنا شراء الحلويات بشتى أصنافها دون مراقبة الأهل، ففي يوم العيد كل شيء مسموح. وحين كبرنا صار تجميع الأموال مهمًا للذهاب لشراء هدية من محلات الألعاب المختلفة.

ثم يأتي موسم الحج، يودع فيه الناس حجاجهم وينتظرون يوم عرفة بفارغ الصبر ففيه يصومون ويتعبدون ويستشعرون روحانية اليوم مع الحجيج في مكة. وفي يوم عرفة يقوم الأطفال بمساعدة أهلهم بما يسمى (الحيّة بيّة) وهي سلة صغيرة يزرع فيها نبات في أول يوم في شهر ذي الحجة ثم ترمى في البحر في يوم عرفة. ويغني فيها الأطفال: (يا حيّتي يا بيّتي..راحت حيّة ويات حيّة). لم يعد هذا التقليد منتشرًا، إلا أن المراكز الثقافية في الدولة ما زالت تحافظ عليه وتحييه كل عام.

ثم يمر الصيف هادئًا بقيظه وشمسه الحارة، حتى يأتي يوم الاستقلال 3 سبتمبر، وكنا نحتفل به بالأغاني الوطنية القطرية التي حفظناها عن ظهر قلب. وأشهرها كان وما زال: الله يا عمري قطر، للفنان القدير محمد الساعي. وبقيّت الأغنية حيّة في قلوبنا إلى اليوم نرددها في كل مناسبة وطنية. ثم صرنا نحتفل باليوم الوطني القطري، في 18 ديسمبر والذي يصادف ذكرى تأسيس دولة قطر على يد المؤسس الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني. ويبدأ الاحتفال في الصباح الباكر للمسير الوطني والذي يتشارك الشعب والقيادة فيه روح التكاتف والتآلف، ويشكل المسير الوطني، شكلاً من أشكال المحبة التي لا تنضب لهذا الوطن المعطاء.

تختلف الاحتفالات بمرور الزمن تتطور وتتشكل إلا أنها تحتفظ بروحها الأصيلة في كل وقت. تبقى بهجات الاحتفالات خفاقة في قلوب الصغار والكبار. يمررها الكبار للصغار عبر الأجيال، ويحتفظ بها الأطفال في ذكرياتهم ليغرسوها في مستقبلهم تذكارًا للأيام الجميلة.

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا