شارك

الطبخ في داغستان

قصة قرية وأكلة


تقع قرية تشوخ على منحدر مرتفع في وسط داغستان  وتعتبر من أقدم القرى في الجمهورية، وهي مركز عبور مهم ومركز علم ومسقط رأس العديد من المفكرين والشيوخ والقادة والشعراء والرسامين. ولطالما كانت القرية تعج بالبهجة والحيوية ومسرحا للكثير من الأحداث المهمة في تاريخ البلاد.

بولينا ليوبيموفا

يؤكد علماء الآثار اليوم أن أراضي داغستان كانت دائمًا جزءًا من منطقة جغرافية نارية وهو ما أهلها جعلها منطقة زراعية تنتعش فيها الفلاحة وتربية الماشية، وذلك منذ العصر الحجري الحديث. وكانت الأراضي التي تقع فيها تشوخ اليوم جزءا من تحولات تلك المرحلة، وتم العثور في محيط القرية على آثار تعود لفترة العصر الحجري الحديث.

في يوم من الأيام، كانت هناك قرى قليلة على طول نهر كارا-كويسو. وجاء في بعض قصص التاريخ أن القائد العربي أبو مسلم الخراساني وحد سكان اثنتي عشرة قرية على جبل واحد، وكان ذلك نواة قرية تشوخ. من هنا تأتي إحدى التنويعات في ترجمة اسم القرية إلى “كثير” وهناك روايات أخرى لمعنى التسمية.

كانت قرية تشوخ نقطة مركزية في الممرات التجارية لطريق الحرير العظيم، وتحديدا في الجزء الشمالي من القوقاز. يمر ذلك الطريق عبر القوقاز كمحور تجاري منتظم بين الغرب والشرق الأقصى مرور بإيران التي كانت تعرقل أحيانا النشاط التجاري عبر ذلك المحور. في لغة الأفاريان، توجد كلمة مشابهة تعني “كارافان ومحطة استراحة” تغيرت مع مرور الوقت وأصبحت في صيغة “تشوخ”.

يبدأ التاريخ المستقل للقرية من القرن الرابع عشر. كانت تشوخ دوما مسرحا للأحداث في العصر الجديد. في عام 1742، خلال معركة الأندلان، هزم سكان الجبل الجيش الإيراني بقيادة نادر شاخ الذي حاول غزو داغستان خلال حملته في القوقاز. في جبال أفاريان، سقط الجيش الإيراني في فخ مميت، بينما زادت شجاعة سكان المرتفعات من الخطر المعلق فوق الفرس. لا تزال هناك أغنية أفارية قديمة تخلد ذكرى انتصار سكان قرية تشوخ، حيث تقول كلماتها إنه بعد ضعفت قوة رجال المرتفعات، بدأت النساء في القتال: الأخوات والزوجات وأمهات المدافعين عن تشوخ. بعد الهزيمة في أفاريا، بدأ نادر شاخ في التراجع وذهب إلى مدينة ديربنت بعد أن فقدت نصف قواته ما تملك من مؤونة ومعدات ودواب.

خلال حرب القوقاز، أصبحت قرية تشوخ مكانًا لأكبر معارك المرتفعات من أجل الاستقلال. أمر زعيم مقاومة الجبال الإمام شامل ببناء جدران قوية حول تشوخ. وقال عبارة تعكس موقفه الخاص تجاه القرية:

“إذا تم الاستيلاء على تشوخ، فسوف أزيل العمائم من النواب”.


تحت قيادة الحاج مراد صمدت القرية خلال الحصار الشهير للواء م. ز. أرغوتينسكي.


تشكلت الصورة الحديثة للقرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وفقًا لجميع تقاليد العمارة في المرتفعات الجبلية. غالبًا ما تم بناء بيوت عبارة عن أكواخ مباشرة على الجرف، وكان سقف الكوخ بمثابة أرضية أخرى. تم بناء تشوخ من الحجارة المحلية ذات اللون البيج، والأسطح الملونة الحديثة من الصفائح المعدنية: خضراء تضفي رونقًا خاصًا على صورة القرية. من أعالي السماء، تبدو قرية تشوخ وكأنها لوحة رسمها فنان ماهر. ولهذا فإنه ليس غريبا أنه في قرية تشوخ ولد أول رسام داغستاني محترف هو خليل بك موسايصول. وليس مستبعدا أن يمر الزوار قرب منزله أثناء المشي في الممرات الضيقة للقرية القديمة.

هناك آثار معمارية حقيقية بين مباني تشوخ. على سبيل المثال، تم بناء منزل مامالوف في عام 1875. تم تزيين واجهات الجدران الخارجية والأبواب والنوافذ بنقوش حجرية متطورة عليها أشكال حيوانات ونباتات. أسود ونسور وسيقان بذور رائعة ممزوجة بحجارة مختومة يدويًا- ما زالت مظاهر الحياة بادية في تلك الأشكال فقط، أما المنزل فقد أصبح فارغا منذ فترة طويلة وشبه خراب.

الانفتاح وحب الحياة وكرم الضيافة غير العادي لدى سكان قرية شوخ لم يتلاش مع مرور الوقت. من يحل ضيفا على قرية تشوخ، فإنه لا يتوقع  من سكانها أن يوفروا له المأوى فقط ولكن يتطلع لأن يكرموه بأفضل ما لديهم من طعام: طبق تشودو بوتيشال.

تقول حرفيات القرية إن تشوخ بالتحديد هي موطن هذا الطبق. وتشودو بوتيشال في جوهرها، هي عبارة عن كعكة رقيقة بداخلها حشوة من الجبن، وهي مدهونة بكثرة بالزبدة ومرشوشة بدقيق الشوفان. ولا توجد في الجبال وجبات مغذية أكثر منها!


الصورة والفيديو: أليسا كوتشينسكايا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا