شارك

الخط العربي في داغستان

حارس الفن المختفي


إلياس خادجي وناستيا إندريكوفا


في هذه المقابلة يتحدث شيرينبيغ ميرزوف، وهو فنان الخط العربي من قرية أختي في داغستان، عن عمله إلى جانب عدد من طلاب في البحث في قرى مهجورة عن مخطوطات عمرها قرون. كما يكشف أسرار المخطوطات وقيمتها العلمية ومكانتها في الذاكرة الجماعية للمسلمين في تلك الجمهورية.

سؤال: هل بدأت بفن الخط أم بجمع الكتب؟

جواب: لقد بأت بجمع الكتب بعد التخرج من الجامعة الإسلامية في ديربنت. أحببت التاريخ، قرأت الكثير عن حروب داغستان والقوقاز والقوقاز. كانت جميع النصوص مكتوبة باللغة الروسية، لكن أسلافنا كانوا يكتبون باللغة العربية، لذا تبدو لي الكتب التي تتناول هذا الموضوع باللغة العربية أكثر مصداقية وأصالة.

س: هذا يعني أنك مهتم بشكل أساسي بتاريخ داغستان..

ج: نعم، الشرارة الأولى بدأت من هناك. خلال الحقبة السوفيتية، كان هناك برنامج لإعادة التوطين في الجبال. أثناء إعادة التوطين، ترك الناس جميع الكتب والسجلات المرتبطة بالدين والكتابة العربية في القرى، وذلك خوفًا من الانتقام. كانت الكتب مخبأة في المقابر والمساجد القديمة والأضرحة، في الكهوف والشقوق، في الأكواخ، مدفونة في مكان متاح.

كان الناس متدينين، ولم يرموا الكتب بشكل عشوائي، لذلك نحن نعرف تقريبًا أين نبحث. أولاً، من الواضح أين قد يوجد المسجد في القرية. ثانيًا، هناك كبار السن الذين يتذكرون أين تركوا الكتب. أواصل الرحلات الاستكشافية مع طلابي في القرة وهي ليست بعيدة، 20 كيلومترا كحد أقصى.

س: هل تزور القرى المهجورة؟ ما طبيعة هذه الكتب؟ هل هي سجلات القرى وتاريخها؟

ج: ما زالت كتب كثيرة هناك! نعم ، ما زالوا يجدون كتبًا كثيرة هناك! في الأساس نجد نسخا من القرآن الكريم وكتبا في الشريعة والأحاديث النبوية وهناك أيضًا نصوص في التاريخ. مؤخرا، جاء سياح روس ووجدوا كتبًا في قرية قديمة، وأخبرونا بذلك وذهبنا وأخذناها.

س: يتضح أنك مدرس

ج: أنا مدرس. أدرس كل شيء يتعلق بالدين. لدينا أربع مدارس للتعليم العام ومدرستان دينيتان ملحقتان بالمسجد. أنا مدير إحدى تلك المدارس. هناك دروس قبل الغذاء وبعده، والفتيان والفتيات يحضرون الدروس بالتناوب.

س: هل درست اللغة العربية في الجامعة الإسلامية؟

ج: الجيد في داغستان هو أن العربية هي لغة التعليم في المدارس الدينية، لكن ليس لدينا أساتذة فن الخط. كل عالم، سواء كان إماما أو خطيبا، يكتب ولكن بقلم جل عادي. بصفتي فنان، كنت مولعًا جدًا بالخط الروسي والكتابة العربية. وهذا ما ساعدني في العثور على مدرس في تركيا. كان عدد طلابه يتناقص سنويا بشكل تدريجي. عندما وصلت، كان هناك 10-15 منهم، معظمهم من الفتيات.

جميع المواد المتعلقة بالكتابة باهظة الثمن – أسعار الحبر والأقلام والورق كانت مرتفعة للغاية. لكن نظرًا لكوني من روسيا، فقد أعطوني كل شيء مجانًا. لقد صُدموا بمجيئي. خاصة عندما اكتشفوا أن عمري 40 عامًا. “يا! وصل رجل عجوز”. تعلم فن الخط العربي يستغرق ثماني سنوات: تعلم أسلوب واحد يستغرق عدة أشهر. تكون البداية بتعليم فني ثم بعد ذلك يتم الانتقال إلى فن الخط. قلت لهم: “ليس لدي الكثير من الوقت! أنا فنان”، وبالتالي كان الأمر أسهل بالنسبة لي: اكتسبت رؤية فنية وقمت بواجباتي وبالمهام المطلوبة مني وجهزت دروسي وأخذت معي بعض المهام وبعد ذلك عدت إلى اسطنبول. من الصعب والمكلف البقاء هناك.

س: هل لديك تعليم فني؟

نعم فعلا. عملت الأم في مدرسة لنسج السجاد. ذهبت إليها ذات يوم للحصول على بعض الغراء. في الحقبة السوفيتية، لم يكن من السهل الحصول عليها. عندما دخلت، أحببت الرسومات لدرجة أنني قررت: هذا مجالي. درست لمدة عامين في مدرسة فنية، وبعد ذلك فقط تخرجت من مدرسة دينية. ومع ذلك، في النهاية، انخرطت في العمل الفني. الخط، مثل نسج السجاد، هو ضرب من الإبداع.

س: قلت إنه عندما أردت تعلم الخط، لم يكن هناك مدرسون. هل أصبح هناك مدرسون الآن؟ ألم تتحسن الأمور في هذا الصدد؟

ج: الآن لدي طلاب أعلمهم مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع. نحن ريفيون، دروسنا بسيطة للغاية: نتواصل في الليل، نجهز الشاي، نبقى حتى الصباح ما بين شرب الشاي والكتابة والرسم والضحك. ليس لدينا جدول زمني صارم، هذا تعليم مجاني. الشيء الرئيسي هو أن تكون مفيدًا. كما هو الحال في أي مهنة، فإن الشيء الرئيسي هو تقدير ذكاء الآخرين.

س: ما هي مواد الخط التي تعدها بنفسك؟ الورق؟

ج: أطلب الورق من الصين، لكننا نقوم بمعالجته بأنفسنا من خلال محلول مركب. ثم نقوم بطحن وصقل كل ورقة. قبل معالجته، يكون الورق مثل المنديل، وبالتالي من المستحيل أن تكبت عليه بالقلم. في السابق، كنا نضيف الشيح إلى المحلول حتى لا تأكل الديدان الورق. لذلك قال علماؤنا الداغستانيون: إذا كنت تتصفح الكتاب فلا تبلل أصابعك باللعاب. كنا نظن أنه من أجل عدم اتساخه، لكنه كان تحذيرا من الشيح لأنه سام.

س: وماذا عن الحبر؟

ج: ونشتري الحبر ونصنعه بأنفسنا: من زيت الزيتون ومن حبوب المشمش. صناعة الحبر من حوب المشمش عملية مضنية للغاية تحتاج لنحو عشر أشخاص. حاولت إحدى المرات ولم أستطع إنهاء العملية، فقدت أعصابي. لكن العملية تكون أسهل باستعمال الزيت: نصبه في وعاء لتجميع السخام. بعد ذلك نأخذه على ورق نظيف ونغلقه في عجينة رطبة وفي الفرن. يجب أن تتحول العجينة إلى اللون الأسود تمامًا وتحترق.

ثم نفتحه ونزيل العجين ونرمي السخام في قوس حديدي ونملأه بمياه الأمطار ونقلب ما لا يقل عن خمسة آلاف مرة. أولاً، القوام يشبه القشدة الحامضة، ثم الزبدة. وإذا كانت من البذور – تطحن دون توقف لمدة ثلاثة أيام. لماذا كانت سهلة من قبل؟ لأن هناك 10-40 طالبًا في المدرسة. لقد فعلوا كل شيء. الأمر مستبعد الآن على الإطلاق لأنني وحيد.

س: لديك أيضًا طلاب …

ج: طلابي سينتهون غدا، لن يأتي أحد، هذا استغلال. الخيار الأفضل هو أن نشتري الحبر من الصين. أحب الحبر الصيني كثيرا. حقا إنه كثيف مثل الزيت.

س: لا جدوى من القيام بذلك بنفسك الآن؟

ج: بالتأكيد! لكن المثير للاهتمام، أن لون الحبر الذي تم شراؤه مختلف، ومن الصعب الكتابة معهم على الطروش (الرق): كل شيء يغسل ولا يصمد جيدًا.

أنا اشتغلت على صنع الطروش من جلود الماعز. وجدت وصفات باللغة العربية في كتب قديمة. عندما بدأت العمل، كان الجميع يشتكي: الوالدان، الجيران، الزوجة، والأطفال. يا لها من رائحة كريهة، يا لها من رائحة! الكل ابتعد عني بسبب الأوساخ والروائح. في العام الماضي، قمت بمعالجة 50 قطعة من جلود الماعز، كل واحدة تستغرق حوالي أسبوع. نبللها ونلفها في أنبوب بداخلها صوف ونتركها لمدة ثلاثة أو أربعة أيام تحت الشمس. نفتحها ونرى ما إذا كان الصوف قد ذهب أم لا. عندما يكون الجلد على وشك التعفن، يجب أن يزول الشعر. يتكون الطرش (الرق) من ثلاث طبقات. الطبقة السفلية عبارة عن دهون، قطع لحم. الطبقة العليا من الصوف. وداخل الطبقة ورق نظيف. تتم إزالة الطبقات العلوية والسفلية بسكين خاص- بحثت عن شكلها في المتاحف ، ووجدتها وصنعتها. ثم يجب شد الرق. لا يمكن أيضًا ترك الرق الجاف في الورقة: بمرور الوقت، سوف ينثني. أو تحتاج إلى مده على إطار أو باستعمال عصي خاصة.

ومن المثير للاهتمام، أنه عندما يكون الجلد رطبًا، من المستحيل أن تتحمل رائحته، لكن الأمر يختلف تماما عندما يصبح جافا. تختفي الرائمة كليا ويتلاشى العفن. يتم ذبح الماعز في فصل الشتاء، ولا أحد يحتاج إلى جلودها – يتم رميها بعيدًا، ونقوم بجمعها. في أيام عيد الأضحى، تتوفر لدينا جول كثيرة. المشكلة هي أن هناك حاجة إلى ورشة عمل منفصلة حتى لا تتعفن الجلود الفاسدة في عز الصيف.

الكتابة على الطروش ممتعة. أنت تعلم أنه لا يمكنك شرائها أو طلبها من أحد. لقد أنتجتها بنفسك وتستمتع بها – لا أحد يمتلكها. يقول زملائي وطلابي وأصدقائي: “ألم تتعب من هذه الأشياء التي تعود للقرن الأول؟ إلى أين تذهب؟ الجميع يتقدمون، وأنت تعود للوراء. الناس لا تكتب على الطروش. لماذا تحتاج إليها؟ ” إنهم لا يفهمونني ، وأنا لا أفهمهم.

س: هل تقيم أي معارض مع طلابك؟

ج: هذا يتطلب الكثير من العمل ومن الموارد المالية. في قريتنا، ليست هناك حاجة لمثل هذه المعارض: لكل فرد كتبه الخاصة في المنزل. كان لديّ أيضًا الكثير من الكتب. في المدن الكبرى، هناك حاجة لإقامة معرض.

س: يجب أن يتم ذلك على الأقل في مدينة ديربنت.

ج: نعم، ولكن أنا في حاجة لضمانات لتأمين المخطوطات التي ستعرض. هذه كلها كتب مكتوبة بخط اليد لا تقدر بثمن. ننظر إليهم مثل الكتب. وهناك أشخاص لهم وجهات نظر مختلفة: بالنسبة إلى الشاب، فهذه سيارة لادا بريورا أو سيارة جيب. في الوقت الحاضر، يتم بيع العديد من الكتب. ليس لنا حق. كل كتاب من تأليف المؤلف: يحرم البيع، يمنع العطاء. يتم نقل الكتب إلى مسجد أو مدرسة لمن يشتغل بها ويدرسها. الكتب الدينية ليست ملكية. إنها عامة، تراث كل داغستان. أنا وصي وليس أكثر. اختارني الله ، إنه شرف لي. أنا ممتن جدًا، لأن هذا كنز ضخم. الكتب الدينية ليست ملكية.

س: وهل هناك فرصة لرقمنتها؟

ج: كثيرون قالوا لي ذلك. وكان جوابي: تفضلوا مرحبا بكم في بيتي، أنتم في ضيافتي، عليكم فقط العمل. قال لي خبر من سانت بطرسبرغ: “أنت في قرية جبلية، لديك الكثير من الكتب، ولا أحد يعرف عنها”. كان ردي: ماذا علي أن أفعل، أصرخ في الكرملين بأن لدي كتبًا؟”.

فقالوا: لا يمكن تخزين الكتب على هذا النحو. فأجبت: من فضلكم، تعالوا، قوموا بذلك، استعملوا أجهزتكم ولن أعترض على ذلك. أحيانًا أفتح كتابًا وأنظفه على ورقة بيضاء وأكتشف فيه بعض الديدان. هناك كتب مثقوبة كأنها تعرضت لإطلاق النار من مدفع رشاش.

من أجل الترميم، هناك حاجة إلى ورق خاص، لكن ليس لدينا مثل هذا الورق في كل روسيا. نظرت إلى الطوابع على الورق في المصاحف التي ترجع إلى مائتي عام – حيث يمكنك قراءة اسم المصنع، وكتبت إلى أصدقاء مرممين في موسكو وسانت بطرسبرغ للمساعدة. أرسلت لهم صورا أطلب معلومات عن تلك المصانع. كلها تعود لفترة حكم الإمبراطور الأخير، ولم يعد لها أثر.

درست في أذربيجان تجليد الكتب، وهناك زرت أرشيفا رفقة أحد الأصدقاء. اكتشفت هناك نسخة من القرآن الكريم كانت في داغستان، ذلك واضح من خلال الغلاف والتجليد. فتحته ونظرت. في كل مصحف يقدم المؤلف معلومات ضافية: من كتب؟ ومن نسخ؟ وكيف؟ ولماذا؟ ولمن قُدِّم الكتاب؟ولمن نُقل؟. انطلاقا من ذلك قلت “هذا كتابنا!” – سألوني: “هل يمكنك قراءة العربية؟ وما هو مكتوب هناك؟ “، فكان جوابي: هذا قرآن ساروهاي خان، أهداه إلى مسجد أختين جمعة. لقد صدموا! وأضفت: كيف وصلت هذه النسخة من مسجد أختين جمعة إلى هنا؟ إما أننا بعناها، أو تعرضت للسرقة، أو وصلت إلى هنا بطريقة ما. المهم هو أن الكتاب لنا.

تبرع ساروهاي خان بتلك النسخة من القرآن للمسجد على سبيل النذر لابنه المريض. في نفس المكان، تم فتح ورقة من شجرة نسب ساروهاي خان، تصل بالكامل إلى حمزة عم النبي (ص). كتبت كل شيء، والتقطت الصور ووصلت وعرضتها على مجموعة المؤرخين في مدينة لاك. كان هذا خبرًا رائعًا بالنسبة لهم، لأنهم في روسيا لم يجدوا مؤرخًا يمكنه سرد شجرة نسب ساروهاي خان من هناك. هنا تكمن القيمة التاريخية لبعض الكتب. كنت سأصنع متحفًا بنفسي، لكن هذا صعب عليّ وحدي. عليك أن تعتني به. لا يمكن ترك الكتب على هذا النحو.

س: هل لديك كتب قديمة ليست باللغة العربية؟

ج: أنا أقدر أي عمل. إذا كان الكتاب قديمًا ، فسأحتفظ به مثل قرة عيني، مهما كان، سواء كان يهوديا أو مسيحيا. كانت هناك كنيسة في قلعتنا. في الحقبة السوفيتية، تحولت إلى مدرسة داخلية، ثم إلى نادٍ، ثم إلى مقصف. لعبنا الغميضة هناك كأطفال. تم العثور على أيقونات هناك مؤخرًا. بينما كنا نخبئ الكتب، أخفى المسيحيون أيقونات من هذا القبيل. نعلم أنها لا تقدر بثمن. عثرنا على بعض الأيقونات هنا واتصلنا برجال دين في موسكو وأخبرناهم بذلك فجاءوا وأخذوها؟ نحن لم نبع، لم نرم، لم نحرق – ببساطة أبلغنا وقدمنا.

س: هل لديك كتاب مفضل في مكتبتك؟

ج: القرآن الكريم هو أحب شيء لنفسي، وبعده تأتي الزوجة.

س: هل هناك كتب لكتاب مشهورين وأئمة داغستان ؟ من أين تستمد قواعد النحو القديمة؟

قواعد النحو من مكتبة العالم العظيم ميرزا الأختا. أعطاها لي أقاربي. في عام 1917، حدثت مجاعة شديدة، وقايضوا مكتبة كاملة بالحبوب. الكتاب قيمته كيس من الحبوب. أثناء الشيوعية، تم حرق الكثير من الكتب أو بيعها للأتراك: لقد اشتروها منا في الغالب. لا يزال لدى ميرزا كتاب تفسيرات للأحلام، بحثت عنه لفترة طويلة ولم أجده. عندما كان في ديربنت، التقى بعالم لديه كتاب صغير عن تفسيرات الأحلام. أراد ميرزا نسخ الكتاب، لكن لم يكن هناك وقت. ماذا فعل: قدم لصاحبه ثورين مع عربات (ما قيمته سيارة جيب الآن)، ركب حصانًا وانطلق. قال الجميع إنه مجنون مجنون.

قالت زوجة ابنه: “عندما أخذوني إلى منزل زوجي، نزلت في الصباح إلى القبو، كنت الكتب منثورة في كل مكان من البيت، متعلقاته تتمثل في إبريق وبرقع وخنجر والكثير من الكتب. بعد وفاته، لم نكن نعرف أين نضع هذه الكتب”.

هذا نموذج لعلماء داغستان. يقولون إن الأمية متفشية في داغستان. في الحقيقة، داغستان أصبحت أمية عندما استولت السلطات السوفيتية على كل شيء، وقتلت الجميع، وأجبرت جميع العلماء، وجميع المتعلمين، مثل الحمير، على العمل في المصانع والمزارع الجماعية والمصانع. الجميع في قرية أختي – اذهبوا إلى أي منزل – لديهم كتب قديمة ورثوها من أسلافهم. لم تكن هناك تكنولوجيا، ولكن استعملوا القصب وكتبوا مكتبات كاملة. الجميع تعلم الكتابة بشكل صحيح.


PHOTO AND VIDEO: Alice Kuchinski

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا

ابق على اطلاع دائم على أخبارنا عن قطر وروسيا